السيد كمال الحيدري

89

اللباب في تفسير الكتاب

وليس بين آيات القرآن آية واحدة ذات إغلاق وتعقيد في مفهومها بحيث يتحيّر الذهن في فهم معناها ، كيف ! وهو أفصح الكلام ومن شرط الفصاحة خلوّ الكلام عن الإغلاق والتعقيد ، حتّى إنّ الآيات المعدودة من متشابه القرآن كالآيات المنسوخة وغيرها ، في غاية الوضوح من جهة اللفظ ، وإنّما التشابه في المراد منها . وبعبارة واضحة : المستفاد من الآية في معنى المتشابه أن تكون الآية مع حفظ كونها واضحة الدلالة لغةً ومفهوماً ، إلّا أنّها مردّدة لا من جهة اللفظ بحيث تعالجه الطرق المألوفة عند أهل اللسان كإرجاع العامّ والمطلق إلى المخصّص والمقيّد ونحو ذلك ، بل من حيث المصداق الذي تنطبق عليه . فمثلًا قوله تعالى : ( الرحمن على العرش الستوى ) ( طه : 5 ) يشتبه المراد منه على السامع أوّل ما يسمعه ، فإذا رجع إلى مثل قوله : ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ ) ( الشورى : 11 ) استقرّ الذهن على أنّ المراد به هو التسلّط على الملك والإحاطة على الخلق ، دون التمكّن والاعتماد على المكان المستلزم للتجسّم المستحيل على الله سبحانه ، وكذا قوله : ( إلى ربها ناظره ) ( القيامة : 23 ) إذا رجع إلى مثل قوله : ( لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ ) ( الأنعام : 103 ) علم به أنّ المراد بالنظر غير النظر بالبصر الحسّى . وقد قال تعالى : ( مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى * أَ فَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى ) إلى أن قال : ( الشعراء النمل القصص العنكبوت الروم لقمان ) ( النجم : 11 ، 12 ، 18 ) فأثبت للقلب رؤية تخصّه ، وليست هي الفكر فإنّ الفكر إنّما يتعلّق بالتصديق والمركّب الذهني ، والرؤية إنّما تتعلّق بالمفرد العيني ، فيتبيّن بذلك أنّها توجّه من القلب ، ليست بالحسّيّة المادّية ولا بالعقليّة الذهنيّة ، والأمر على هذه الوتيرة في سائر المتشابهات .